2016/12/07
لمحة عطرة من حياة الإمام الحسن العسكري عليه السلام
لمحة عطرة من حياة الإمام العسكري (عليه السلام)
انتقلت مهام الإمامة الإسلامية والخلافة الإلهية إلى الإمام العسكري بعد وفاة والده الإمام الهادي وله من العمر ثلاث وعشرون عاماً، و كان في سني إمامته بقية أيام المعتز العباسي ثم ملك المهتدي، وخمس سنين من ملك المعتمد.
قد وصف جلاله وعظمة شأنه وزير البلاط العباسي في عصر المعتمد أحمد بن عبيد الله بن خاقان مع انه كان يحقد على العلويين ويحاول الوقيعة بهم، وصفه كما جاء في رواية الكليني فقال: ما رأيت ولا عرفت ، بسر من رأى ، من العلوية مثل الحسن بن علي بن محمد بن الرضا، ولا سمعت بمثله، في هديه وسكوته وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته والسلطان ، وجميع بني هاشم وتقديمهم إياه على ذوي السن منهم والحظ، وكذلك القواد والوزراء والكتّاب وعوام الناس، وما سألت عنه أحداً من بني هاشم والقواد والكتّاب والقضاة والفقهاء وسائر الناس إلاّ وجدته عندهم في غاية الإجلال والإعظام، والمحل الرفيع والقول الجميل والتقديم له على أهل بيته ومشائخه وغيرهم ولم أر له ولياً ولا عدواً إلاّ ويحسن القول فيه والثناء عليه.
ووصفه الشاكري الذي لازم خدمته فقال: كان أستاذي صالحاً من بين العلويين، لم أر قط مثله قال: وكان يركب إلى دار الخلافة بسر من رأى في كل اثنين وخميس قال: وكان يوم النوبة يحضرمن الناس شيء عظيم، ويغص الشارعُ بالدواب والبغال والحمير والضجة، فلا يكون لأحد موضع يمشي ولا يدخل بينهم .
قال فإذا جاء أستاذي سكنت الضجة، وهدأ صهيل الخيل، ونهاق الحمير، وتفرقت البهائم حتى يصير الطريق واسعاً لا يحتاج ان يتوقى من الدواب نحفه ليزحمها ثم يدخل فيجلس في مرتبته التي جعلت له فإذا أراد الخروج وصاح البوابون: هاتوا دابة أبي محمد، سكن صياح الناس وصهيل الخيل، وتفرقت الدواب، حتى يركب ويمضي .
وأضاف في صفة الإمام، كان يجلس في المحراب ويسجد فأنام وانتبه وأنام، وهو ساجد، وكان قليل الأكل، كان يحضره التين والعنب والخوخ وما شاكله فيأكل منه الواحدة واثنين ويقول: شل هذا يا محمد إلى صبيانك، فأقول هذا كله، فيقول : خذه، ما رأيت قط أسدى منه.
وعندما سجنه طاغية بني العباسي ، وقال بعض العباسيين للذي وكل بسجنه ( صالح بن وصيف ): ضيّق عليه ولا توسع فقال له صالح : ما أصنع به ؟ وقد وكلت به رجلين شرّ من قدرت عليه ؛ فقد صارا من العبادة و الصلاة إلى أمر عظيم . ثم أمر بإحضار الموكلين . فقال لهما : ويحكما ما شأنكما في أمر هذا الرجل ، فقالا له: ما نقول في رجل يصوم نهاره ويقوم ليله كله ، ولا يتكلم ولا يتشاغل بغير العبادة فإذا نظر إلينا ارتعدت فرائصنا، وداخلنا مالا نملكه من أنفسنا.
وقد كان الجميع يعرفون قدره ومدى كرامته على ربه حتى ان المعتمد العباسي حينما بويع بالخلافة في تلك الظروف المضطربة التي لم يكن يلبث الخليفة سنة أو بعض سنة جاء إلى الإمام العسكري (ع) وطلب منه الدعاء له بالبقاء عشرين سنة ( وكان عنده تلك المدة طويلة جداً بالقياس إلى من سبقه ) فقال (ع) مدّ الله في عمرك فاجيب وتوفي بعد عشرين عاماً.
هذه واحدة من كرامات الإمام (عليه السلام) وقد حفلت كتب الحديث بكراماته.
الإمام شاهد عصره
من المعلوم عند الشيعة الإمامية أن دور الأئمة (عليهم السلام) امتداد لدور الأنبياء، ورسالتهم هي تلك الرسالة الخالدة التي بشرت بها كتب السماء من الدعوة إلى الله والترغيب في ثوابه والترهيب من شديد عقابه !! وسوق الناس إلى اتباع رضوانه وتزكية نفوسهم الرذائل، وتطهيرها بالحب والإيمان والخلق الفاضل، ثم تعليمهم شرائع دينهم.
وكان من أبرز مسؤوليات الأنبياء (عليهم السلام) قيادة المجتمع المؤمن بما لهذه المسؤولية من علاقة بتطبيق أصول القيم الإلهية على مفردات الحياة اليومية، وبتمثيل تلك الأصول ضمن مواقف وفاعليات وأنشطة حتى يصبح النبي والإمام من بعده ثم الصديقون قدوات وحججاً على الخلق وليقطعوا عنهم حبل المعاذير والتبريرات، ويشحذوا وليشحنوا عزائمهم بومضات من الإرادة، ومن هنا لا ينبغي أن نحدد دور الإمام في الحقل السياسي بالمعنى الضيق للكلمة بالرغم من أن السياسة تمثل تقاطع سائر الحقول أو ليست الثقافة ذات تأثير على السياسة ؟ أو ليس الإقتصاد والتربية والأنظمة الاجتماعية هي العوامل التي تصنع السياسة.
ومن هنا يجب ان نفرق بين معنيين للسياسة .. المعنى الخاص الذي يعني إدارة القوى الاجتماعية ذات التأثير في عالم الحكم والتي يقوم بها السلاطين والرؤساء السياسيون، وهذه هي السياسة المباشرة ( المعنى الضيّق للكلمة ) .
والمعنى العام والذي يعني صنع القوى الفاعلة في المجتمع والتي تؤثر بالتالي في عالم الحكم، وهي السياسة غير المباشرة والتي يقوم بها ـ عادة ـ المصلحون وأصحاب المبادئ التغييرية ( وهذه السياسة بالمعنى العام ).
ولا ريب أن الأنبياء وأوصياءهم كانوا يقودون عملية التغيير، وثورة الإصلاح بكل أبعادها الثقافية ( نشر الدعوة ) والتربوية ( تزكية النفوس) والاجتماعية (تكوين التجمع الإيماني وتنظيم علاقاته) كما كانوا يتعاطون أحياناً السياسة بالمعنى الخاص حيث يديرون البلاد بصورة منفردة أو يشتركون في الإدارة مع سائر القوى.
كذلك قام النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) بإصلاح المجتمع في مكة، وبنى هناك التجمع الإيماني، ونظم علاقاتهم ثم شكَّل حكومته منهم في المدينة المنورة.
وخلال سني خلافته الظاهرية تعاطى الإمام علي (عليه السلام) السياسة المباشرة . بينما قام بدور اصلاحي قبلئذ عند حكومة الخلفاء من قبله وفي ذات الوقت ساهم معهم بصورة أو باخرى في السياسة المباشرة .
والأئمة الأطهار(عليهم السلام) كانوا يقومون بالاصلاح بكل ما أوتوا من قدرة ويصنعون قوة سياسية فاعلة في المجتمع . وذلك عبر قيادتهم المباشرة للمؤمنين الاصفياء من شيعتهم .
حتى انتهى الأمر إلى الإمام العسكري (عليه السلام) إذ قام خلال سني امامته بإدارة الشيعة الذين أصبح وزنهم السياسي متعاظماً في عهد الإمام الكاظم واعترف بهم كقوة سياسية في العهود التي تلت ولاية العهد من قبل الإمام الرضا(عليه السلام)، وحتى غيبة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه).
ملامح عن عصر الإمام
وتتسارع دورة الحضارة في أي أمة من البشر إلى نهايتها المأساوية ؛ إلاّ إذا قام فيها مصلحون ودفعوا سفينة الحياة بعيداً عن عواصف الهلاك، وأعاصير الفتن، ولعل الآية القرآنية تشير إلى هذه الحقيقة إذ يقول ربنا سبحانه : ﴿ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ﴾، ثم يقول : ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾.
فما دامت حركة الإصلاح قائمة في الأمة، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقاوم باستمرار بؤر الفساد (الطغاة ، والمترفين، والاشياع الجهلة ) فان العذاب يتأخرعنها لانها تصبح قوة تردع الأمة عن الانزلاق إلى الهاوية.
ولقد كانت حضارة الأمة الإسلامية في عصر الإمام العسكري قد تكاثرت فيها عوامل الأنهيار ولولا دفاع الإمام وشيعته عن قيم الحق والعدل، وجهادهم العظيم ضد الترف والبغي والجهل، ربما كانت الحضارة تتلاشى بصورة كلية.
لقد أوغل الخلفاء وحاشيتهم الفاسدة في الإرهاب والقمع، وسرقة أموال الأمة، والإسراف في صرفها على لهوهم أو شراء ضمائر الشعراء والتافهين.
أما إرهابهم وقمعهم للأحرار والمصلحين، فقد كانت تلك قاعدة الحكم عندهم، مثلاً عندما انتفضت الشام ضد الحكم العباسي في عهد المتوكل بعث إليهم بجيش قوامه ثلاثة آلاف راجل وسبعة آلاف فارس، فدخلوا الشام وأباحوا دمشق ثلاثة أيام
شهادته الأليمة
كان يوم الثامن من ربيع الأول ، لعام 260 هجرية يوماً كئيباً في مدينة سامراء حيث انتشر نبأ استشهاد الإمام العسكري في عنفوان شبابه.
فعطلت الأسواق وهرع الناس إلى دار الإمام يبكون وشبَّه المؤرخون ذلك اليوم الحزين بيوم القيامة، لماذا؟ لأن الجماهير المحرومة التي كانت تكتم حبها واحترامها للإمام العظيم خشية بطش النظام، أطلقت اليوم العنان لعواطفها الجياشة.
وهذا الإمام العظيم الذي يرحل عن دنياهم، ولم يتجاوز عمره السادسة والعشرين. كم كابد من ألوان المحن، منذ عهد المتوكل الطاغوت التافه الذي ناصب أهل بيت الرسالة ـ العداء ـ وهدم قبر أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) وإلى عهد المستعين بالله الذي حبس الإمام عند واحد من أشد رجاله عداوة لآل البيت، وكاد ان يقتل الإمام لولا ان الله لم يمهله فخلع عن السلطة.
وإلى عهد المعتز الذي عمد على سجن الإمام فتضرع الإمام إلى الله حتى هلك.
وحتى عهد المهتدي الذي ظل يضايق الإمام حتى اعتقله وأراد قتله، ولكن الإمام أخبر واحداً من أصحابه واسمه أبو هاشم
يا أبا هاشم ان هذا الطاغية أراد قتلي في هذه الليلة، وقد بتر الله عمره، ليس لي ولد وسيرزقني الله ولداً.
وأخيراً في عهد المعتمد الذي لم يزل يؤذيه حتى اعتقله.
بلى عاش الإمام أكثر أيام قيادته في محن وها هو يقضي نحبه حيث دسَّ إليه السم، ولقد كان السم من أشهر وسائل الإغتيال عند السلاطين في ذلك العهد، وكانت خشيتهم من أمثال الإمام من القيادات الدينية المحبوبة تدفعهم إلى تصفيتهم بمثل هذه الطريقة، وهكذا رحل الإمام بسم المعتمد.
هكذا رحل الإمام، وخلف وراءه مسيرة وضاءة ليهتدي بنورها الأجيال، ودفن في مقامه الشريف في مدينة سامراء عند قبر والده حيث لا يزال المسلمون يتوافدون للسلام عليه.
فسلام الله عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.